بقلم فارس خشّان
صحيح أنني لم أكن يوما حزبيا، لأفهم عن كثب معنى "الثقة المطلقة" بالرئيس الذي اخترتُ أو زكّيتُ او انتخبتُ، ولكنّ الصحيح أيضا، أن متابعاتي لحال الأحزاب "الصحيحة"، علمتني أن في كل حزب معارضة، حتى لا تكون سلطة الرئيس مطلقة، وفي كل حزب قوى ضاغطة، حتى لا تكون سلطة الرئيس اعتباطية!
صحيح أنني في حياتي المهنية إقتربتُ من الزعيم وليد جنبلاط إلى الحد الذي سمح لي بهذا الإقتراب، ولكنّ الصحيح أكثر،أنه كلما قرر تغيير مسلكه وسلوكه ومساره السياسي، باتجاهات تتناقض واقتناعاتي، كان يخلق هوة بيننا ، ولكنها لم تصل يوما الى مثيل لتلك القائمة راهناً!
وهذه ليست المرة الأولى التي أمر بها في تجربة "الفراق"، فلقد عشتها سابقا مع العماد ميشال عون، الذي "يشتريك" بمبادئ النضال ليتمكن من "بيعك" ، في زمن الإستسلام للمغانم!
فراق واحد، في حياتي المهنية - وفيها الكثير من الخيار السياسي- لم يكن إراديا، هو ذاك الفراق عن الرئيس رفيق الحريري، الذي حتمته تلك العملية الإرهابية التي لا يزال دويها، يعصف بوطننا!
طبعا، لستُ في وارد أن أخبرك سيرة حياتي، ولكنها مقدمة لا بد منها، لأتمكن من مصارحتك، بما يجول في خاطري، بعد انقلاب الوليد ...علينا جميعاً!
أنت ، يا رفيق اللحظات المجيدة ويا صانع ثورة الأرز، تبرّر لـ"وليد بيك"، إنتقاله من ضفة إلى اخرى، بجملة من الأسباب، فتارة تقول إنه الأدرى وغدا سنرى النتاج الإيجابي لتصرفه، وتارة تعتبر أن " اليد التي لا تقوى عليها، قبّلها وادع لها بالكسر"، وطورا تصدّق أن "أنتينات البيك لا تخطئ"، وإلى ما هناك من تبريرات، باتت معروفة عن ظهر قلب!
وانت في أحيان كثيرة تذهب إلى أبعد من ذلك، فتأخذ على منتقدي "الزعيم" ممن يسيرون تحت راية 14 آذار الممزقة، بالضعف هنا وبالتراجع هناك وبالجبانة هنالك، بأنهم نسيوا نضالاته، وأنكروا ما فعله بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وجحدوا إيمانهم بأنه لولاه لما كانت ثورة الأرز!
وأنت محق في كل ذلك، ولكن دعنا نرى الأمور، بطريقة أكثر منطقية وأقل عاطفة!
ألم نكن في العام 2004، في وضعيتنا الحالية؟
ألم يكن المطروح علينا أن نختار بين الحرية وبين الإستقرار، فاخترنا، بتحريض من الـ"بيك" الحرية، فكانت "لائحة الشرف"، وكانت محاولة إغتيال مروان حماده، وكانت جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري؟
ألم يكن المطروح علينا أن نختار بين استعادة قرارنا السيادي وبين الخضوع لإرادة دمشق- طهران، فاخترنا الذهاب ، بمعية وليد جنبلاط، الى 14 آذار 2005، فدفعنا خيرة من كوادرنا بسيارات مفخخة وبرصاصات غادرة؟
ألم يكن المطروح علينا أن نختار بين التمسك بمطلب العدالة الدولية وبين الإستقرار الحكومي، فذهبنا، تحت راية وليد جنبلاط، الى بقاع الدنيا رافعين الصوت لمصلحة المحكمة الدولية، مما أدى الى استقالة وزراء، والى اعتصامات شلت العاصمة، والى فراغ دستوري؟
ألم يكن المطروح علينا أن نختار بين مركزية الدولة وبين سطوة الدويلة، فذهبنا، بطلب من وليد جنبلاط الى الخامس من ايار 2008، ودفعنا ما دفعناه، في السابع من أيار 2008؟
بربّك، قل لي، ما الذي تغيّر؟
هل أضحت سوريا ديموقراطية؟ وهل وضع "حزب الله" رجليه على الأرض؟
هل أضحت سوريا أكثر دموية؟ وهل امتشق "حزب الله" السلاح، مؤخرا؟
هل كانت الطائرات الأميركية في العام 2004 تحلّق فوق دمشق، فغابت اليوم؟
وهل كان شعار السيد حسن نصرالله "نهدي وردة لمن يفكر بنزع سلاح المقاومة" وأضحى اليوم "سنقطع كل يد تمتد الى سلاح المقاومة"؟
هل كان اكتشاف قتلة المعلم كمال جنبلاط مفاجأة صاعقة، ليصبح لاحقا مبنيا على شهود الزور، فتتم المسارعة الى طيّ القضية التي حوّلها الى مجرد ملف؟
هل كانت مصالح الطائفة الدرزية الحبيبة متصلة اتصالا وثيقا بالحالة اللبنانية العارمة، واضحت مصالحها، منوطة بتقوقعها؟
وهل كانت "أنتينات الوليد" تلتقط ذبذبات تسمح له بأخذنا الى أفق "المرجلة" و"التحدي" و"الشتائم" و" شحذ السيارات المفخخة"، لتكتشف لاحقا أنها موضوعة على موجة خاطئة، فرحنا ننفذ دفتر شروط، ونخفّض سقف السيادة والإستقلال والحرية والعدالة حتى نساويه بالارض التي نطأ عليها؟
وهل كان عماد مغنية، بالنسبة للبيك، كناية عن إسم مرفق بعبارة "وما أدراك ما عماد مغنية"وأضحى أيقونة؟ ومن هو شاهد الزور الذي تحدث عن عماد مغنية وأقنع البيك بـ"ما أدراك"، حتى انفتحت بصيرته اليوم؟
وهل كان رقم السيارة التي حاولت اغتيال مروان حماده قد سُبكت صفيحته في الضاحية الجنوبية، فتبيّن اليوم أنها لم تُسبك إلا في قريطم أو معراب أو بكفيا؟
وهل كنا نحن من يذيع تقارير تصل الى البيك عن مسدسات للحرس الجمهوري في حفرة "سان جورج" وعن عبث بمسرح الجريمة، وعن إخفاء للأدلة المرتبطة بالجرائم، حتى يغسل وليد جنبلاط يديه من مروان حماده، تاركا براءته من فبركة شهود الزور، للمحاكم؟
وهل كنا نحن من يخرق سرية التحقيق في مكتب المدعي العام دانيال بلمار ويسرب التسجيلات الى تلفزيون محدد الهوية السياسية والأهداف الدعائية، حتى نُحرم من حقنا بالعدالة ، في حين يعطى لحلفاء البيك الجدد الحق بالإفلات من العقاب، لأنهم نجحوا بعملية مخابراتية، زاوجت الترهيب والترغيب، في الإستيلاء على المعلومات والوثائق من بعض الساقطين والسفلة المندسين في دوائر التحقيق السابقة والحالية؟
أيها الإشتراكي، يا روح "ثورة الأرز"، لا تلوم رفاق تلك الساحة، إن هم غضبوا وقالوا عن وليد جنبلاط عبارات واقعية لا تحبها ولا نحبها معك، كعبارة " الخائن"، لأن الخصوم لا يخونون خصومهم بل الحلفاء يخونون حلفاءهم والأزواج يخونون زوجاتهم ، والأبناء يخونون أباءهم، والرفاق يخونون رفاقهم. تاريخ المرء لا يحصّنه من لقب الخيانة. مجد بيتان الفرنسي لم يعفه من التجريم بخيانة أمته لمصلحة هتلر، على الرغم من أن البعض اعتبر خيانته... حكمة!
نحن، لا نبخس وليد جنبلاط حقه في تغيير مواقعه السياسية والتحالفية، ولكن من حقنا عليه أن يقنعنا بالعبور معه الى الضفة الأخرى، لأننا كنا رصيده وكنا صوته وكنا متاريسه وكنا رصاصاته ... فأضحينا، كما وطننا، ضحاياه!
طبعا، من حق زعيم المختارة أن يتعرض لهزيمة.
من حقه أن يخسر معركة وحتى أن يخسر حربا.
من حقه أن يوقع صك استسلام.
ولكن حقنا عليه أن يقول : أنا خسرت. أنا استسلمت... ومن ثمّ يصمت!
No comments:
Post a Comment